وأخيراً خرج الأصدقاء في رحلتهم التي وعد بها قاسم ، قاسم هو رئيس الكشافة لفريقه من الثانوية وحتى اليوم وهم ذاهبون للجامعة. لديه سيارة ، بمعنى أفضل السيارة كانت لوالده الذي يعتبر قاسم صديقه الحميم ، المهم لن أطيل .
هاهي السيارة هناك سيارة لاند روفر المعروفة ولسنا هنا للدعاية لها ، فيها في الأمام السائق قاسم وبجواره أحمد فيلسوف أو بمعنى أوضح (فشفشي يعرف كل شي ) ، في الكرسي الخلفي جلس ماهر (ماشاء الله من الوزن الثقيل) ، وهاني و ابن عمه محمد، حملوا معهم متاعهم وكذا عدة التخييم ، فقد كانت أمنية قاسم ورفقته أن يخيموا يوماً في الجبال وكان.. هاهم في طريقهم عبر تلك الطرق الوعرة والمسارات الخطرة ، يجتازون طرقاً صخرية متعرجة ، هدفهم الوصول إلى أعلى التلة المشرفة على الوادي الكبير ، المعروف بين أهالي القرية بوادي الكلاب .
هاهم يعدون المخيم ولم تكن المرة الأولى لهم وكان أن جهزوا خيمتين ، الصغيرة لقاسم وأحمد ،والكبيرة لجلستهم وفيها سيقيم ماهر وهاني ومحمد .
اجتمع الرفقة حول نار أشعلوها بين الخيمتين ، حولهم السكون والقمر بدر في السماء ، على الجهة الشرقية أحراش مرتفعة من أشجار كثيرة الشوك ، من منظرها ليلاً تراها تنظر إليك بترقب ، إنها مخيفة ، أما في الغربية ترى ذلك السواد من الحجارة المتناثرة الكبيرة الحجم ، تراها ملتصقة بحافة زوايا الجبل المرتفع إلى علو كأنه بلا نهاية ، وفي الجهة الجنوبية على أطرافها منحدر يهوي إلى قعر الوادي المظلم في تلك الساعة من بزوغ الليل .
و بدأت جلستهم بسؤال وجهه هاني إلى محمد عن صلاته ، قال محمد أنه صلاها ، ورد قاسم :
- يا أخي نحن في سفر .
هاني : وهل في السفر لا نصلي ؟ نقصر نعم ….
أحمد : خلاص المهم صليتم لا تدخلونا في هكذا مواضيع . أصلاً لو جيتم للحق صراحة ما صلينا ، لكن الفكرة أن …
قاسم : أحمد لا تفتي بالله عليك … خلصونا من هذا حديث .
ماهر : والله أفضل حديث هو الأكل .. هاتوا الفول !
سكت الجميع من كلماته وبالفعل بدؤوا في تناول العشاء .
بعد الطعام ، جلسوا مجددا حول النار يتسامرون ، وبدأ ماهر الحديث:
- أتذكرون رحلتنا الماضية في الوادي بين أشجار النخيل ؟
- كانت نكتة كبيرة تسببها أحمد .. (قاسم )
- أرجوكم قصوا ماحدث ؟ (محمد )
- صحيح لم تكن معنا وإنها لقصة مضحكة . (أحمد )
- بعد وصولنا هكذا تسامرنا وأخذ أحمد يقص الخرافات والأحاديث المرعبة ، حتى والله سابت ركبي من حديثه . المهم جاءت لحظات النوم وتوجهنا لفُرشنا ، ونال منا النوم ، ولم نعلم إلا وطلقات نارية مدوية مع صدى مخيف أيقظ الجميع خرجنا نتجول ، لم يكن أحمد في مكانه وفراشه بارد ، تخوفنا .. أكيد أحمد خرج لقضاء حاجة ، و فاجأه بين الأشجار كلب بري أو ذئب أو أي طارد ليل ، وأنا أرتجف رعباً توجهنا الثلاثة في اتجاه الطلقات وكأن ضوء صادر بين بعض الأشجار ، في الغالب كان ضوء مصباح يدوي أو فانوس . المهم مشينا .. ونحن في تلك الحالة من البحث رأينا قماشاً ممزقاً .. جلست مكاني أصيح .. أحمد مات ….. ومسني الجوع من الرعب ..
- الجوع.. (محمد)
- لما أخاف أجوع زايد … المهم … تركني قاسم وهاني يبحثون في اتجاهين مختلفين .. طبعاً مع كل منهما بندقية ومع قاسم مسدس صغير .. وبلا سابق إنذار صاح هاني ..
- الوغد أسقط علي فراشاً من على الشجرة .. ظننه شبحاً (هاني)
- وبلا إنذار سمعنا طلقة أخرى ..
- كنت أنا أحاول أن أرعب أي كاسر في المكان . (قاسم)
- وأنا على رعبي المتواصل .. أترقب خوفاً وإذا بالضوء من الشجرة يقترب .. لم احتمل فسقط مغشياً .. كان أحمد ينزل من الشجرة .. الله يسامحه جاني صفار .
وضحك الجميع .. ومع الضحكات كان هو يفكر .. ((سنكررها ، وسيعرفون قدراتي .))
التعب وصل مداه إليهم وبدأ النوم يغشاهم ، فتوزعوا في خيمهم ، ولكن أصوات عواء الكلاب كان يزعجهم ، فزادوا من أيقاد النار ، ثم توجهوا لمفارشهم .
أرقه التفكير ، فتركه النوم ، قام رغم أنه أصغرهم ، وبسبب حركته وتردده ، انتبه لذلك هاني :
- ما بك يا محمد !
- ها !! لا .. أريد قضاء حاجة ..
- اذهب خلف الخيمة وستجد و أنت خارج خزان الماء الصغير … ها وخذ هذا المصباح..
- شكراً ..
خرج محمد نظر حوله .. أي فكرة تلك التي سيرعبهم بها .. إن المكان مرعب .. صوت قريب يقول له تحرك .. تعال …
تحرك إلى الجهة الغربية .. تحرك رغم الخوف .. تحرك متجهاً إلى الأمام .. وخلف كومة الحجارة . كهف صغير .. هنا سيختفي وسيرعبهم .. لن يشعروا به .. سيقلقون عليه … وعندها سيظهر ها أنا ذا ..
مر الوقت .. أنتبه هاني .. لم يعد محمد .. طار النوم .. أضاء المصابيح .. وخرج .. وكأن الفجر يقترب … دار حول الخيمة الأولى والثانية .. لا أحد .. لا أثر لأحد …
فكر هاني … ربما يقوم محمد بمقلب .. فاطمأن بهذه الفكرة و عاد للخيمة .. وهو كذلك تنبه لآثار الدماء قريبة من موقد النار ، اقترب ، كانت الدماء تتحرك باتجاه الغرب .. طارت الفكرة وجاءت الحسرة ، فصاح موقظاً الرفقة ، خرجوا إليه في تعجب . هو لم يتكلم راح يشير إلى بقع الدم في الأرض .
سحب قاسم مسدسه وأخذ أحمد وهاني البنادق ، وصاح ماهر ..((إني جائع)) وفي يده بندقية وفي الأخرى موزة راحوا سوية يمشون في تعقب بقع الدم … الطريق يطول رغم قربه ، والقلوب ترجف .. إنه دم حقيقي .. ، كل هم هاني ماذا يقول لأهله وقد أختفى ابن عمه الصغير في هذه الرحلة .. لو قام معه ، و… توقفوا كان هناك كهف صغير خلف تلك الأحجار . ونظروا في وسط الكهف بقعة دم كثيفة … إنهار هاني .. جذبه قاسم بقوة وصاح في وجهه ..
- اهدأ
- كيف ؟
- اهدأ ! ليس هذا دليل على شيء لا توجد جثة ..
- لا تقلقوا .. ربما هي مزحة … (أحمد)
-













